اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

المصرف المركزي معبد الساسة الليبيين

سالم العوكلي

حين نتتبع أسباب هذا الصراع الراهن الذي وصل أفقه السياسي إلى الانسداد، وبدأ يبشر بحرب أهلية، فإن ما حدث أن الليبيين الذين تنشقوا عطر الحرية في ثورتهم، موقنين بأنه حان الوقت ليكونوا في سياق العالم الحديث، خاضوا انتخاباتهم الأولى بكل رقي وأفرزوا أول سلطة تشريعية بانتخابات حرة ونزيهة، لكن ثمة تيار منظم ومدعوم دوليا وإقليميا كبديل للنظم السابقة استطاع أن يهيمن على نتائج هذا الاستحقاق الديمقراطي ويوجهه في خدمة مشروعه القديم مستخدما تكتيكاته المدروسة في التمكين والإقصاء، ومستفيدا من المال السياسي والتنظيمات المؤدلجة الجاهزة لفرض أجندته، وبوسائل مختلفة أصدر عدة تشريعات من شأنها أن تقوض هذا المسار الذي خسروه عبر شرعية الصندوق، وكان العمل على أشده لكي لا تسحب السلطة من أيديهم، وحتى إن خسروا مرة ثانية فلا بدّ أن يكون الجسم المنتخب تحت سيطرتهم، ومن أجل السيطرة لابد أن يكون المال والسلاح تحت أيديهم، فشكلوا الميليشيات تحت مسمى قوة درع ليبيا، وعرقلوا أي محاولة لبناء الجيش، فأحالوا بدايةً أهم كوادره على التقاعد، واستولوا على مقراته بأسماء ميليشيات مرتبطة بأسماء قادتها من التيار نفسه، وفوق ذلك أدى بهم الفزع مما حدث في مصر إلى بدء ملحمة من اغتيال العسكريين الفاعلين، بدأت باغتيال رئيس أركان المجلس الانتقالي واستمر حتى وصل العدد إلى أكثر من 500 عسكري في سنة واحدة (في يوم واحد اغتيل 13 عسكريا في بنغازي وضواحيها). ومن هنا تحركت الغريزة الإنسانية المتمثلة في الدفاع عن النفس التي تفرض منطقيا على العسكريين الذين أصبحوا محكومين بالإعدام أن يتجمعوا ويدافعوا عن أنفسهم بدل أن يقتلوا في سياراتهم واحدا واحدا أمام زوجاتهم وأطفالهم، ومن هناك بدأت ما سميت معركة الكرامة من أجل استعادة كرامة العسكريين الليبيين الذين يحملون أرقاما عسكرية ويتقاضون رواتبهم من ميزانية القوات المسلحة المحكوم عليهم غيابيا بالإعدام فقط بسبب هذه الصفة، لتتحرك الغريزة الثانية الممزوجة بعقيدة العسكري أنه مسؤول عن حماية وطنه وأهله، ومن هنا بدأت نواة ترميم الجيش الليبي الذي بعثره وهمشه النظام السابق خوفا من أن يخرج من الباب نفسه الذي دخل منه، وأصدر مجلس النواب كسلطة تشريعية منتخبة ــ لاذت بمدينة طبرق لتكون بعيدة عن ضغط القوة التي فرضت عديد الإجراءات على المؤتمر الوطني ــ قرارا بتشكيل الجيش الليبي بقياداته التي أسست لمعركة الكرامة، وبمطالب شعبية خاض حربه على هذه الجماعات التي اختبرت شخصيا فتكها ورعبها في درنة وضواحيها حين قتلت المئات من القضاة والعسكريين وأساتذة الجامعة ونشطاء المجتمع المدني ومواقع التواصل من نخبة درنة قبل مبايعة داعش التي بدأت تقتل وتذبح علانية، وهي جماعات ظلت مراكز النفوذ في طرابلس المحكومة بقوى الضغط من جماعات الإسلامي تسميهم (الثوار) الذين يدافعون عن أهداف فبراير، وترسل لهم الأموال والجرافات التي تحمل الذخيرة والحقائب المتفجرة والمقاتلين.

كما أسلفت، انتقل مجلس النواب الذي قاطعه النواب التابعين لهذا التيار من المنطقة الغربية ومن بنغازي إلى أقصى شرق ليبيا، وشكّل حكومته المؤقتة، وأصدر قراره بتكليف قيادات عسكرية لإعادة بناء الجيش الليبي، وألغى، أو عدّل، قانون العزل السياسي، وأصدر قانون العفو العام كمحاولة لتفكيك الجماعات المسلحة وتسليم السلاح العامل خارج الشرعية، لكن المصرف المركزي (الذي حكم به القذافي أربعة عقود هذه البلد وعاث به في العالم خرابا) عاند كل تصورات وقررات مجلس النواب بشأنه، وظل صامدا في طرابلس بمحافظه المتعاطف مع التيار المهيمن على العاصمة، ولم يعترف المصرف الدولي الذي يُسوّق عبره النفط بالمصرف المركزي الذي أُسس في البيضاء، ولم تستطع أعلى سلطة تشريعية في البلد، ووفق ما يرخص لها الإعلان الدستوري، أن تستبدل محافظ المصرف بما اتخذته من قرارات لأن الصديق الكبير أصبح جزءا من اللعبة المعتمدة على الأشخاص وليس المؤسسة، واستمر ضمانة للميليشيات كي تستمر على قيد السلاح، ولتدعم بالمليارات عن طريق نظام الاعتمادات الذي يُناط به توفير القوت للُيبيين. وحتى بعد أن حرر الجيش حقول النفط وموانئه من العصابات التي كانت تحكمه والمدعومة سابقاً من المتحمسين لبرقة الذين أصبح الجضران بطلهم الفيدرالي النفطي في مواجهة المؤسسة العسكرية الوليدة التي تسعى لوحدة ليبيا، لكن آلية بيع النفط التي يحكمها نظام مالي وإداري دولي تجعل الإيراد يذهب إلى البنك المركزي في طرابلس لتمول به الجماعات التي تقاتل الجيش الذي يحمي حقول النفط وموانئه، في دائرة بيروقراطية غريبة تلتقي أوتارها بقطرها في نقاط عديدة وتزداد المسافة بينها كلما امتدت خارج الدائرة.

المصرف المركزي، أو بيت مال الميليشيات، هو السلطة الحقيقية حتى الآن في هذه البلد الريعية التي لم تملك يوما غير مبنى البنك ليكون معبدا للسياسة الليبية وحلبة لكل الصراعات، فكل الطرق والمحاور تؤدي إلى البنك المركزي، الذي أسسته الإدارة الإنجليزية وأممه لصالح البلد الوطني الكبير علي العنيزي ليكون مؤسسة لإدارة التنمية الليبية وليس بيت مال يعطي الهبات للفقراء ويمول الغزوات والحروب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى