اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

الشاعر الرويعي الفاخري: بعون الله ليبيا ما تحير

سالم العوكلي

في خضم الشهور الأولى لحراك فبراير، حين كان الجميع في سكرة الربيع العربي الذي أزهر من لهب نار البوعزيزي، الشاب البوزيدي الذي أوقد جسده لأول مرة بثقاب الكرامة الشخصية، تلك المفردة التي أيقظت في شبان المدن العربية رغبة التمرد على الطغيان الذي طغى حتى تعامل معه الجميع كقدر لا يمكن النجاة منه. في خضم هذا الفرح الذي صاحب تلك الروح المتمردة على عقود من الاستبداد ، كانت ثمة مخاوف تداعب أذهان من يقلقهم التاريخ بمنطقه الخاص، ومن تقلقهم الجغرافيا بما يمور تحت ترابها ورمالها من مكابيت ، ومصدر الخوف المشروع هو الوعي بطبيعة الحدث وبما سبقه من تدبير الطغاة للأرض المحروقة خلفهم، والدول المفصلة على مقاسهم ، وفشلهم الذريع في أن يحققوا الانصهار الوطني كأرضية راسخة للسلم الاجتماعي، وكانت هذه المخاوف تزعجنا ونحن نعمل في جريدة الصحفي أحمد الفيتوري (ميادين) التي واكبت الأحداث من بدايتها بروح مهنية ونقدية كانت تزعج البعض أو كما يقال (تُطيّر سكرة البعض الثمل بكؤوس الثورة) وعثرت فترتها على قصيدة مهمة للشاعر الكبير الرويعي الفاخري، نشرناها في صفحة الأدب بجريدة ميادين تحت عنوان “بعون الله ليبيا ما تحير” .

بعيدا عن الضجيج الذي صاحب ذاك الحدث العظيم كان الشاعر الرويعي يكتب أو يقول رؤيته الخاصة، مخاوفه الكامنة، تفاؤله، ورسائله إلى المستقبل الذي مازال غامضا في تلك الفترة ، وحين يحيط الوعي بالقصيدة المثقفة لابد أن تكون الرسالة إحدى مهماتها الأخلاقية باعتبار أن المثقف أو الشاعر الأصيل دائما مكانه خارج السرب، وما يلفت في هذه القصيدة هي الدعوة العميقة المهربة في مجازات واستعارات بارعة للتسامح كوصفة شافية احتفظ بها التاريخ في أرشيفه لفترات ما بعد سقوط الطغاة الذين زرعوا بذور الحقد والانتقام في تربة المجتمع وتركوها لتنبت بعدهم .

يستهل الشاعر الرويعي قصيدته بمفتاح تقليدي لما يسمى (قول الأجواد)، الذي اسميه في هذا النص البارع والحكيم (قول الضمير الشعري)، وينتقل بعدها للتعبير عن قلق الجغرافيا المترامية بكل تناقضاتها، شاهرا في وجهها التاريخ الموحد لهؤلاء البشر الذين شاءت الجغرافيا أن تجمعهم في مصير واحد في هذا الجزء من العالم الذي شاء التاريخ أن يكون وطننا جميعا. يحاول أن يلم أطراف هذا الامتداد الشاسع بفعل وحركة الإنسان الليبي داخله، وبهذا المحتوى الروحي الذي تشكل في هذه الصحراء القاسية حتى أصبحت وطنا يتكون ضميره من الدماء والدموع التي سالت عبر مسامه، ملتحمين مع فصوله حيث رياح البرد فيه والرياح القائظة تشكلت ملامحنا.

و نحن صلب من آدم لـسام … لقيس و يمن م الفج الشهــير

اوصلنا ويـن في دين الاسلام … كلينا مشـط من قطفـة القـير

و عشنا ويــن نادنّا اقســـام … مع اخوة دم و ايمان و مصـير

و ليبييــــن لُحمة و التحـام … انمـدّوا من امسـاعد لا اجدير

انغـوصوا فيـه لا بـر النعام … بياح يحـوز اكاكوس و السرير

ايتوهـن فيه و يهيمن اهيـام … ارياح البرد و ارياح الهجـير

ايشيلن غمق و يشيلن اجهام … اصــدا لمجاد مـوّال و قـذير

ابريـح ثـراه باصم بالابهـام … عليهن بصم بامساح القطـير

و دمع و دم يجرن في مسام … اتـرابه نـين تـمن لـه ضمير.

تذهب القصيدة إلى تفحص هذه الامتزاج البيولوجي الذي يتشكل عبر الزمن بين الأرض وسكانها، وكل ما يعتريهم من مشاعر تنعكس على هذا المكان الذي يشمخ بشموخ أهله ويخجل بخجلهم ، فنحن منه وهو منا، نعيش فوقه لفترة ثم نغدو جزء من جهير ترابه ، وكائنات مرتبطة برحمه تجر مشيمته أينما ذهبت. إنها علاقة تبادل وجود بغض النظر عن القدر السياسي أو الأحداث الكبرى التي تربك هذا المصير، فهذا الوطن بدوننا لا يعني شيئا، ونحن بدونه كائنات تائهة.

ابعـزّة هلـه يشمخ بالعــلاَم … و طـيبة هله ينـدى بالعــبير

و نحن هله مبـدا و التـزام … ابحب الوطن مقطوع النظير

و لاو مرهون في ساعة اختـام … و طيرة نفس لا طارت يطـير

انعيشـوا وجـه لترابـه ايـــام … و نبقـوا الـدهر لترابه جهـير

اسقَـانا بــْر باجـواف الارحــام … و جـوفه رَحـِم للبر الوفـير

أَلهمنا ثـدي ما يعرف افطـام … ابحَقّه عَــقْر يشـربنا خَثــير

تمر القصيدة على أمجاد من ذادوا عن هذه الأرض والتي منها تشكل كبرياؤه ، غير أنه يستدرك برؤية الشاعر الحالمة أن المجد إذا لم يُفضِ إلى حرية يغدو مجرد خرافة من خرافات الماضي، ومبكرا يلفت النظر إلى أن الأمن والغذاء لا يشكلان المطلب الأساسي للإنسان الذي كم تشدقت بتوفيرهما النظم المستبدة ، فعز الإنسان ليس أمنا وطعاما ومالا وفرشا وثيرا، والمجد دون حرية وهم .

احدود العز مو أمن و طعام … و مال و لعب ع الفرش الوثير

المجـد ابغـير حـرية اوهام … ايطـير البذر فيـه مع السفـير

الوطـن ابهله ينهض للامام … ان حَـرّوا هله توحيد المسير

و نحن الدرس قـْرِّينا اَلهـام … و قـَرّيناه بالصــوت الجهـير

ولأنه من المفترض أن يلهمنا التاريخ، وأن نكون قرأنا الدرس جيدا، حين استبدلنا الحرية بالأمن والحياة بمجرد العيش، تذهب القصيدة إلى وشوشة حميمة بحس التفاؤل الذي ينبثق من هذا الإلهام إذا ما تدبرنا الدرس كما ينبغي ،  فغبار الحرب ستطير به الرياح، ونفسها الرياح ستجلب المطر من الغيوم، وتطل شمس لترسم أحلامنا بألوان قزح، فيغني الروض والغدير ، وفي نهاية المطاف لن تحتار ليبيا التي كم تجاوزت مراحل ظلامها وأحزانها.

اغبار الحـرب طـارن به انسام … و جابن رشح م الغيم المطير

ايهـللّ نين تهلهل به اركــام … و هَـدّ الجرف ع القَحط المرير

اَدران الغش و اتراب الوخـام … اركبهـن دَهـم عَـدّن فـ الطفـير

و طلّت شمس ترسم في احلام … الوان النَـدو ع الوطن المْنير

ابشـاره قـال فَسّـار ا لمنام … يغـَنّي الروض و ايولّ الغدير

الها من تَـوّ نربط فـ الحزام … بعـون الله لـيبيـا ما اتحـير

ثمة شروط أخلاقية ليتحقق هذا الحلم الممكن الذي رسمه برهافة في قلب القصيدة، وأهمها التسامح وجرعة الحنان التي ننزعها من وسط الألم تجاه حتى من أخطأوا ، فحين تُجبَر العظام ويتقشر الجرح ويسكت الألم لابد أن نوجد الأعذار لمن أخطأوا في زمن كان له منطقه، ولابد أن نربي الحنان ، الهبة الإنسانية الكبرى التي لن نتجاوز مراحل القسوة إلا بها، فالحنان كامن في داخل كل إنسان واستدعاؤه في الظروف الصعبة هي المعجزة التي أخرجت المجتمعات من أنفاقها المظلمة، يحذر الشاعر من الرغبة القاتلة في الانتقام ويحذر من كبو الألسن حين تنطق بما يزيد اشتعال نار الفتن.

انخفْ اللمس لا جَبر العظام … و قَشر الجرح واسكوت السطير

انـولّد عــذر و اندلّل مــلام … انربّـي حْـنّ يجمعـنا عَشــير

و نحـذر خـَطو درب الانتقام … ابخـوف الزَلق للهُـوّ الخطـير

الهـاوي فيه من تحت الاقدام … اتـوجَ الريـح و ايحـوّم الطـير

و نحذر كَـبو لالْسُن و الاقلام … الحَـرف إيـزلّ و الكلمه اتثـير.

تقدير الظرف وإيجاد العذر لمن أخطأ هي الخطوة الأولى صوب التسامح الذي لا يمكن استئناف الحياة بدونه، تقدير ظرف من حام بعيدا عن السرب ثم عاد ، فلكل مقام موقف ولكل فتى اجتهاد لم يكن بد منه وفق تصور الفتى في تلك اللحظة ، كما أن القمع (قسوة اللجام) أحيانا تجعل الجواد يلط عن مساره. التسامح قيمة، لكن العدالة أيضا قيمة إنسانية كبرى لا يفوتها الشاعر حيال الخائضين في الدماء أو في قوت الناس وأموالهم الذين يستثنيهم مؤقتا من تلك الجرعة من المسامحة احتراما لضحاياهم، غير أنه، ولأن التسامح رسالته المركزية في هذه القصيدة، يذهب حتى في هذا الاستثناء لإمكانية العفو الذي هو القيمة الأسمى ، متخذا القيم الاجتماعية الراسخة قاعدة لهذا العفو الممكن، فنحن كان المستجير فينا يجير ، ندى الوجوه خجل وندى الأكف كرم ، وهي سمات لا يخترعها لكنها كانت دائما وعبر كل الأزمات هي الوسيلة لتحقيق السلم الاجتماعي، فحين تقابل العين العين يتولد الحياء ومن هذا الحياء يولد التسامح .

انقدّر ظرف من خالف و حام … و جا للسرب فـ السرب المْغير

الكل فتىَ اجتـهاد و مقـــام … و موقف فيه ابما يقـدر ايدير

و زاد اوقات من قسـو اللجام … ايلـطّ مســار لحصان الطـريـر

الا من خاض فـ الدم الحرام … و مَــن لبـلاد واكلها نشـير

امفيت العفـو في طبع الاكـرام … و نحن ايجـير فينا المستجــير

انْـدَا لوجـوه بعـروق الحَشَام … انـدا لكفـوف بالجـود الغـزير

ومن جديد فإن هذه القيم الاجتماعية الكامنة التي ستبرز عندما يحين وقتها هي التي تملؤه بجرعة التفاؤل ، فكل شيء مع الوقت سيتضح ولن يعد ترك العقول تتسكع دون دليل نافعا.

اليوم افرشت ما ينفع اطشام … و تَـرك العقل يدّهوَر جشـير

و نحن شعب مَو ناقص افهام … و ناظـر لامر بعيون الخبـير

و هـــذا بيـش مطّـامن انّــام … و نا للوطن مستبشر ابخير

هذه القصيدة قالها الشاعر الرويعي الفاخري في الشهور الأولى من حراك فبراير حين كان يستغرق الجميعَ حلمٌ أو وهمٌ بأن نهاية الألم ستكون مع نهاية ذاك النظام، لكن الشاعر بطبيعته أن يحدق بعيدا وهو يدرك أن استئصال الورم ليس نهاية العلاج، وأن أعراضه وآلامه ومخاطره ستستمر إذا لم تلهمنا التجارب وإذا لم نتجاوز الضغائن. ورغم ذلك لا يمكن للشاعر الأصيل المؤمن بحتمية انتصار الحياة إلا أن يكون التفاؤل رسالته الجمالية لإبداعه، وهو ليس تفاؤلا مجانيا ، لكنه يجد مبرراته في دروس التاريخ وفي القيم الإنسانية الكامنة ، وفي غريزة حب البقاء وحب الحياة التي جعلت هذا الكون يزدهر رغم كل الدماء التي سالت فوقه ، وجعلت من الفرح طقوسا للشعوب التي غنت فوق جراحها رغم كل الأحزان التي عاشتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق