اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

التطهير الأمريكي وطرابلس

حمزة جبودة

منحت الحكومة الوقت الكافي لقتل البشر وترويعهم، ولكن بشرط، أن يكون وقت العملية محدودا في اثنتي عشر ساعة، نصف يوم بإمكانك أن تقتل فيه وتنشر الفوضى. أعرف أنك ستُصاب بالدهشة فور قراءتك لهذا الحدث، اطمئن ما حدث ليس في ليبيا، وإنما في بلاد الحلم والقوة والنفوذ، أمريكا.

دعونا الآن نتجه للتفكير بصوت عالٍ، عملية قتل تستمر نصف يوم، برعاية حكومية، بل وبإشراف خُبراء وأجهزة اتصالات وتصوير لكل حادثة قتل تحدث في توقيت محدد.. الأمر الذي تُفكّرون فيه، هو ذاته الذي فكّرتُ فيه عند مشاهدتي فيلم “التطهير الأول، The First Purge” الذي يحكي عن عملية تطهير سنوية تُباح فيها كل الجرائم. ما يحدث في ليبيا اليوم يُشبه تمامًا ما جاء في الفيلم، ولكن بأدوات وأسماء مختلفة، بل إن المشهد الدموي في ليبيا، أكثر إثارة من الفيلم، وقصته أكثر تأثيرا من قصة “جيمس ديموناكو” كاتب ومخرج الفيلم الأمريكي.

سنعود الآن للواقع، ونكتب هذا الخبر، قُتل في عاصمة ليبيا مائة وستة من المدنيين، في حرب حقيقية، لا اشتباكات كما يحلوا للبعض تسميتها، نعم حربًا دخلت فيها الجهوية والسياسية والأيدولوجيا مدعومةً بالمال والنفوذ. لأجل هذا المطلب: تطهير العاصمة من “الميليشيات”. وهذا يعني أن الهدف مشترك بين “التطهير الأول” في الفيلم الأمريكي، والتطهير الثوري الممزوج بالوطني الليبي. ولكن الاختلاف بينهما في التوقيت والمكان. والأسماء، هُناك الحكومة هي من ترعى عملية القتل بواسطة عدسات لاصقة تضعها على عيون من تُجري عليهم التجارب، تُصوّر كل جريمة بتفاصيلها. وفي ليبيا تقوم الجماعات المسلحة بهذه المهمة، بواسطة نشر مقاطع الفيديو والصور لأماكن تقول عادةً إنها “حرّرتها” من سطوة الجماعات الأخرى.

لابد لنا أن نضع بعض النقاط لا كُلها، على الحروف، ونستدعي القصة نفسها، التي تقول إن طرابلس ملكاً لكل الليبيين، لأن أحدهم تلاعب بالوصف، وجعلها ملكًا مُقدّسًا لهُ، يأتي متى شاء ويقتل من يشاء ويُهجّر من يريد، ومن ثُمّ يخرج منها، حين تخمد نيران الحرب. ولذا علينا إعادة الصياغة للقصة، ووضع النقاط المتبقية على الحروف.. طرابلس ليست لكل الليبيين، وليست ملكًا لأحد، طرابلس اليوم أصبحت مدينة الدم والخراب، وليست عروس البحر. ولا تحب أحدا.. طرابلس تغيّرت منذ أن بدأ فيها التطهير الأول، الذي منحته الحكومات المتعاقبة للجماعات المسلحة على مدار السنوات، ما جعل أهلها في عيون أمراء الحرب، عبارة عن “ملكية خاصة” لا صوت لهم، في عاصمتهم ولا في أزقتهم أو مقاهيها.. نعم هذه الحكاية التي تخشى قراءتها: يكرهون طرابلس ويعشقون قتل أبنائها!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق