مقالات مختارة

الإنسان والأفعى في الأمم المتحدة

خالد القشطيني

ما نتوقعه من مناقشات الأمم المتحدة الكلام الصارم والخطب الرنانة والتحديات بين المندوبين، غير أن البعض من خطبائها يستنجد بالأساطير والحكايات للتعبير عما يريد. كان من هؤلاء فارس الخوري وفاضل الجمالي وأندريه فيشنسكي. وكثيراً ما اتهمنا أنفسنا بالهذرفة والكلام الفارغ والاسترسال من دون رحمة. بيد أن الروس عرفوا كذلك بمثله من الاسترسال والإسهاب في الطرح. لا يقلون عنا في خوض المتاهات الأدبية والكلامية. كثيراً ما يستغرقون لعدة ساعات أو أيام في المحاضرة والمناقشة. عبر فيشنسكي، مندوب الاتحاد السوفياتي، عن هذا المنحى في كثير من خطبه في الجمعية العامة. اعتاد على الاسترسال في كلامه والاستشهاد بالأمثلة والأشعار والحكايات والحكم الفولكلورية إلى حد أخذ يزعج الآخرين، ومنهم المندوب البريطاني هكتور ماكنيل الذي قرر أن يتحدى المندوب السوفياتي عام 1949، فقام هو برواية حكاية استعارها خصيصاً من الأدب الروسي ليغمز بها قناة فيشنسكي وسادته في موسكو. طلب ماكنيل الكلام وتكلم فقال:
يحكى أنه كانت هناك حية مسكينة تشعر بالحزن والبؤس؛ لأن الجميع كانوا يخشونها ويتهربون منها. استنتجت أن سر خوفهم منها كان صوتها القبيح وفحيحها المزعج. أخذت تتضرع إلى جوبيتر أن يمنحها صوت عندليب، فاستجاب لضراعتها فتسلقت إحدى الأشجار وراحت تغني أعذب الألحان. لم يمض وقت طويل حتى تجمعت طيور الغاب حولها مسحورة بصوتها. ولكن دون أن يجرؤ أحد من الاقتراب منها، فقالت الحية المسكينة لهم: هل تكرهون صوتي؟ فأجابها الزرزور: «كلا، فأنت تجيدين الغناء. ولكن الرعب يتملكنا عندما نرى نابك وأنت تغنين. استمري بالغناء ولكن ابق بعيدة عنا».
من الواضح أنه كان يقصد بالحكاية الاتحاد السوفياتي.
استمع فيشنسكي لهذه الحكاية من حكايات الأديب الروسي كريلوف، وشق عليه أن يغلبه المندوب البريطاني في هذا الباع. فاستأذن رئيس الجمعية العامة بالكلام، فخاطب ماكنيل قائلاً: كان الأجدر بك أن تقتصر على رواياتك الإنجليزية، فأنت لم تدرس حكايات كريلوف جيداً. إن له حكاية أخرى بعنوان «الحية والمفتري» أرويها لك وأنت حر في تفسير مغزاها.
اجتمعت الحية والإنسان المفتري المحتال يوماً وتجادلا؛ أيهما أشد خطراً ويستحق الأولوية على الآخر في السير والمرور؟ عرضا النزاع على إبليس فنظر في الأمر ثم قال للحية: «أجل إن لدغتك قتالة، ولكن نابك لا يستطيع أن يؤذي أحداً من بعيد، أما الإنسان المفتري فلسانه أفتك من نابك ويتخطى الجبال والبحار ويصيب الآخرين بشروره. وهكذا فعليك أن تقري بالأولوية له وتفسحي له أن يمر قبلك كلما صادفك. ومنذ ذلك الحين أصبحت منزلة المفترين تفوق منزلة الأفاعي في الجحيم.
قال فيشنسكي ذلك ثم جلس راضياً من الجولة الكلامية، واحدة بواحدة. روسيا تلدغ ولكن بريطانيا تفتري وتحتال. وكانت حكاية واحدة من حكايات الحرب الباردة أخذت طريقها في نطاق الكلام. وما أجدر بها في نطاق المنازعات الجارية في عالمنا العربي.

__________________________________

صحيفة الشرق الأوسط
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق