كتَـــــاب الموقع

استثمار تماثيل الإمبراطور بايوس في “مرافعة صبراتة”

كارلوس نورينا

ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

مفتاح مرافعة أبوليوس هو مناشدة حس العدالة الرومانية في مبنى الباسلكا الروماني المتميز في صبراتة. ولا يتضح هذا في أي مكان أكثر من الفقرة المتأخرة من الخطبة التي يوبخ فيها أبوليوس سِسِنْيوس بيودنتس على قراءته رسالة أمه في المحكمة. يتعجب أبوليوس بشدة حول كيف يجرؤ بيودنتس على كشف هذه الوثائق الشخصية، ليس فقط أمام كلاوديوس ماكسيموس، ولكن أيضا بحضور تماثيل الإمبراطور بايوس. هذه الإشارة إلى التماثيل الإمبراطورية هي النقطة الوحيدة في الخطبة بكاملها التي يستثير فيها أبوليوس الإمبراطور الحي آنطونيوس بايوس.

التماثيل ذاتها شكلت جزءا حاسما من مبنى قاعة المحكمة، وشكل استحواذ أبوليوس على العناصر المادية المحيطة في مرافعته جزءا حاسما في استرتيجيته العامة. هذه الحلقة الاستطرادية جديرة بإيلائها بعض التفصيل. يؤدي وجود التماثيل الإمبراطورية في محكمة رومانية وظائف متنوعة. أولا، كانت التماثيل جزءا من الجهاز القضائي والفني في قاعة المحكمة بالمعنى التقني الدقيق، فهي قد حولت الفضاء المادي لقاعة المحكمة إلى منبر قضائي رسمي للعدالة الرومانية. إذ إن حضور التماثيل الرومانية يمكِّن الوقائع العدلية من الحدوث.

عند منتصف القرن الثاني الميلادي أصبح تمثال الإمبراطور يحوز قوة مصادقة. بعبارة أخرى، أن تفعل شيئا ما أمام تمثال الإمبراطور يعادل فعلك هذا الشيء أمام الإمبراطور نفسه. ففي السيرة الإمبراطورية لكاراكلا نعلم أنه كان يتم إعدام الأشخاص الذين يتبولون قرب التماثيل الإمبراطورية.

ومن الواضح أن أي فعل ينم على عدم احترام تمثال الإمبراطور يعتبر مسألة خطيرة، ومن المؤكد أن أبوليوس استثمر هذه الظاهرة حينما لفت الانتباه إلى عزم بودنتس على قراءة رسائل “الحب” التي كتبتها أمه بصوت عال في المحكمة. هذا الفعل لم يكن مدعاة للاحترام، ليس فقط إزاء أمه، مثلما يوضح أبوليوس، ولكن أيضا إزاء الإمبراطور آنطونيوس بايوس. يؤدي تمثال الإمبراطور وظيفة أخرى باعتباره مكان استجارة.

يمدنا فلوستراتيوس بقصة قيام أبوللونوس بالاستجارة بتمثال الإمبراطور عندما طارده حشد كبير ساخط على -في ما يبدو- نقص الذرة. ويروي بليني حالة عبد في بيثينيا استجار بتمثال الإمبراطور تراجان. بإشارته إلى التماثيل الإمبراطورية، يتسنى لأبوليوس، على الأقل ضمنيا، نيل الحماية التي تقدمها. وعلى الرغم من أن تماثيل الإمبراطور آنطونيوس بايوس هذه تمكن رؤيتها بوضوح من قبل جميع الموجودين في قاعة المحكمة، فإن أبوليوس يدعم حضورها من خلال الإشارة إليها، الأمر الذي يعزز، بالطبع، فكرة أن قاعة المحكمة، خصوصا وأنها تحتوي بين جدرانها تماثيل الإمبراطور، مثلت ملاذا لأبوليوس.

ختاما فإن إشارة أبوليوس إلى الإمبراطور باسم التودد بايوس، وليس إلى اسمه الرسمي، كانت حيلة ذكية من شأنها التشديد أكثر على عقوق سسنيوس بودنتس. علينا الأخذ في الاعتبار أن لقب آنطنيوس الكامل كان “الإمبراطور قيصر تيتوس آيليوس هادريانوس أغسطس بايوس”.

لعل الإشارة إلى إمبراطور باسم “قيصر” أو “أغسطس” كان أكثر شيوعا. وأيا كان الأمر، فإن آنطونيوس نال اللقب الشرفي “بايوس” بعد إقناعه مجلس الشيوخ المتردد بترسيم [تقديس] أبيه بالتبني هادريان (138 م). والتناقض هنا مع بيودنتس لا يمكن أن يكون أكثر وضوحا. فبينما أبان آنطونيوس وفاء استثنائيا لأبيه الميت هادريان، أظهر بيودنتس، بتلاوته رسائل أمه عاليا في المحكمة، استهانة بارزة بأمه الحية. وفي حين أنه قد يكون الثراء الكامل لهذه البلاغة قد ضاع على المستمعين عموما، فمما لا شك فيه أن كلاوديوس ماكسيموس قد قدر مغزاها. فمجرد الإشارة إلى تماثيل الإمبراطور بايوس، حينها، يكشف عن النطاق الكامل للبلاغة الأبوليوسية.

إذ لم يعزز أبوليوس بهذا مناشدته العدالة الرومانية فقط، ولكنه يذكر أيضا بالحماية التي قدمها الإمبراطور المنعم من خلال حضوره العياني على هيئة تمثال. إضافة إلى ذلك، يحوِّل أبوليوس جزءا من دليل متهميه، وهي رسائل بودنتيلا، إلى شهادة بينة على اتضاعهم الأخلاقي. فهل ظل ثمة شك، بعد استخدام أبوليوس مثل هذا البيان، في أنه قد برِّئ؟.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى