اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

أطفالنا .. وخلاص لا يأتي !!

غدير أحمد

صغيرٌ، لا تتجاوز سنوات عمره العشرة أعوام، التقيته صدفة في واحد من شوارع العاصمة الأردنية عمان. “شادي”، بدا قبيل تعارفنا شديد الانشغال بتوضيب منتجات غذائية منزلية يعمل على بيعها وخلال لحظات معدودة تجاوز حاجز خجله وخاطبني بعفوية قائلاً: “أمي تصنع هذه الأطعمة أما أنا وأخي فنتولى مهمة بيعها لنحصل على بعض المال اللازم لشراء احتياجاتنا.”
حدثني عن فرارهم من سوريا بعد مقتل أبيه وشقيقيه، ليلخص بكلماته البسيطة والتلقائية مأساة جيل كامل يدفع مع تأجج حروب لا ناقة له وفيها ولا جمل، أغلى الأثمان.
535 مليون طفل يعيشون بحسب منظمة اليونيسيف في بلدان متأثرة بالحروب وبحالات الطوارىء، نسبة كبيرة من هؤلاء بطبيعة الحال عرب يقطنون سوريا واليمن وليبيا والعراق وفلسطين.
أرقام وإحصائيات لا حصر لها ولا عدد تتعلق بالضحايا من الأطفال، ووراءها ملايين يحملون داخلهم قصصاً مروعة حول الخسارة والفقدان وما قصة “شادي” إلا غيض من فيض.
حياة تحت النار يعيشها صغار وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها ضمن أتون صراعات تستعر في محيطهم وتلتهب، أما أحلامهم فمعلقة وبعضها بات أنقاضاً يستحيل ترميمها أو البناء عليها.
أي عالم نصنعه لأطفالنا وأي مستقبل نهيئهم له ؟؟ سؤال يكاد لا يفارقني فصغارنا يعيشون واقعاً متردياً نحن فيه المهزومون والمشرذمون والعاجزون.
نستجدي اليوم تطوراً كنا فيما مضى رواده، ونهمل عن غير قصد أو عن طيب خاطر طاقات كامنة في صغارهم الأحوج لرعاية تمكنهم من التطور والعطاء،ويحول بينهم وبينها حروب ضارية اكتسحت مدننا وباتت كآفة لا دواء لها ولا علاج، تجهز على أجمل ما فينا.
في سوريا واليمن وليبيا والعراق وفلسطين أطفال معرضون في كل لحظة لخطر موت يتربص بهم، ولاستغلال يئد براءتهم، ولفقر وسوء معاملة ومخاطر جسيمة لا تهددهم فحسب بل تهدد مستقبلاً هم عماده.
بنى تعليمية متهاوية وقمع وصراعات وحروب، وعدا عن ذلك كله فقر وجوع ولجوء وفقدان وفرص مستقبلية ممنوعة ومحرمة على صغار كل ذنبهم وجريمتهم أنهم ولدوا عرباً.
ملايين الأطفال في شرقنا الأوسط المكلوم لا يلتحقون بالمدارس بسبب الحرب المستعرة في بلدانهم، وآخرون فروا من أهوال نزاعات لم ترحمهم ليباتوا في الدول المضيفة بلا أمل وبلا مستقبل.
على هذا المنوال، نعايش وصغارنا أعواماً مدمرة يدفع فيها الأطفال أثماناً باهظة إذ يسقط بعضهم قتلى وآخرون جرحى وغيرهم يبات يتيماً أو بالإجبار مجنداً، أما اولئك الذين يعيشون بمنأى عن الإصابات الجسدية فعرضة لتداعيات نفسية لا تقل خطورة.
صغاري وصغارك ربما آمنون، لكن آلافاً مؤلفة سواهم تكافح لتعيش وتعاني ويلات حروب هم وقودها وهم أول ضحاياها، فلأطفال العرب نصيب كبير من الأرق والذعر والكوابيس وهم عرضة لصدمات نفسية وعصبية تلحق بهم جراء تأثرهم بالصراعات الدائرة في بلدانهم أو في محيطها.
يتساءلون عن أهوال تفوق قدرتهم على الاستيعاب يعايشونها أو يتابعون عبر شاشات التلفاز مشاهدها، أما نحن ككبار فنعجز عن التفسير، وهو ما قد يغذي بحسب مختصين مشاعراً دفينة تظهر على شاكلة صور عصبية وانطواء وتخلف دراسي.
هكذا هي آثار الحروب تتجلى لاحقاً على من كتبت لهم النجاة من رحاها لكنهم لم يسلموا من صورها الحية في الذاكرة على مر السنين، ولي في هذا المجال تجربة شخصية فأطفالي عاشوا في غزة تفاصيل حروب ثلاثة روعتهم، ورغم انقضاء سنوات إلا أن الأنفس لم تتعاف، فدوي المدافع وأزيز الطائرات وذلك الصاروخ العشوائي الملعون الذي سقط بقلب منزلنا ما زال محور الأحاديث ومركزا تطوف حوله كل الذكريات.
إذن، هي معاناة لا تتوقف بتوقف القتال، ولا تنتهي حال ما تضع الحرب أوزارها فالحروب تدمر النفوس قبل أن تدمر معالم المدن، ويتجسد أخطر ما فيها بما تخلفه من أزمات ومحن.
تبعات الحروب شديدة الوطاة على أبرياء ما خلقوا ليعانوا، فحق الأطفال مرح وفرح وضحك ولهو ولعب وحب وأمان وفرص متكافئة وأمل … حقهم باختصار طفولة نغتالها نحن في كل يوم وفي كل لحظة بصمتنا وعجزنا وتواطئنا.
هم الأكثر هشاشة، وهم من تتعرض طفولتهم للسرقة على مرأى العالم ومسمعه، وهم من يحصدون ثمار طمعنا وتجاذباتنا السياسية واقتتالنا تدهوراً يصل لحد الحضيض بل ويزيد.
صغارنا أمانة ربما أحسن بعضنا حملها فرادى، لكن إخفاقاتنا ككل فيما يتصل بحمايتهم لا أول لها ولا آخر، فلا مساعي لوأد حروب تطال قبل كل شيء طفولة أطفالنا، ولا جهود لوقف نزاعات ما عادت مشاهد قتل الأطفال فيها تؤرقنا، ولا استراتيجيات تقي صغارنا وتحميهم شر تشرذم وتشتت يهدد مستقبلهم.
أطفالك وأطفاله وأطفالي هم أمل العالم بغد أجمل وأفضل هم جديرون به، أما نحن فأملهم في خلاص يترقبونه لكنه على أيدينا لا يأتي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة