اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

أحلام العودة إلى الماضي

عمر أبو القاسم الككلي

لا أذكر من وصف الحلم بأنه “المكان الذي يلتقي فيه الإنسان بالموتى”. وعلى هذا الغرار، يمكن القول أن الحلم هو المجال الذي “يعود” فيه المرء إلى الماضي. ذلك أن اللقاء بالموتى هو شكل من أشكال العودة إلى الماضي. إلى الغابر والغائر في ثنايا الزمن. وبالنسبة إلى الأمكنة، إلى ما تلاشى أو، على الأقل، تغيرت معالمه أو معالم المحيط الذي يكتنفه.
الحلم “فضاء” يقع خارج الزمان والمكان، رغم وجود علاقة قوية له بهما. إنه خارج الوعي أيضا. هو “فضاء افتراضي” يتحرك فيه الوهم الذي يكون متطرفا في واقعيته أثناء حدوثه. مجال يتحكم فيه اللاوعي والذاكرة الدفينة التي لا تستعيد الواقع كما هو مسجل عندها، وإنما تعيد التصرف فيه على نحو متحرر، وحتى عابث. إذ تخلط الأمكنة والأزمنة والأحداث والوجوه.
من “المواضي” التي تعيدني إليها الأحلام، المدارس. على وجه الخصوص المدارس التي درست بها في المرحلة الابتدائية.
أنا درست تلك المرحلة في خمس مدارس. لكن الأحلام لا تعود بي إلا إلى مدرستين محددتين. هما مدرسة “العلمين” بمنطقة “الهاني” على تخوم وسط مدينة طرابلس، والتي درست بها جزءا من الصف الأول والصف الثاني بكامله وجزءا من الصف الثالث. ومدرسة “قوز زناتة” الواقعة في منطقة ريفية على تخوم طرابلس من جهة الشرق، والتي درست بها معظم السنة الخامسة والسنة السادسة بتمامها.
حين تنقلني الأحلام إلى إحدى هاتين المدرستين لا تنقلني إليهما وأنا في مرحلة الطفولة، وإنما في عمري الحالي أو عمر قريب منه، وبمشاعري وتصوراتي ومعارفي الحالية.
في ما يتعلق بمدرسة “العلمين” لا تضعني الأحلام داخلها، في ساحتها وممراتها وفصولها وحماماتها. وإنما في محيطها، الذي غالبا ما يظهر مثلما أتذكره. وأيضا أكون وحدي.
أما بالنسبة إلى مدرسة “قوز زناتة” فتذهب بي الأحلام داخل أسوارها وساحتها وفصولها. أكثر من ذلك تجعلني، في عمري هذا، “تلميذا” بها عليَّ أن استكمل بعض متطلبات الدراسة التي لم أستكملها. ينتج عن ذلك شعور عميق بالخجل تطفح به أعماقي بسبب النظرات المستهجنة والمستغربة التي يسددها نحوي “زملائي” التلاميذ الصغار بسبب وجودي بينهم.
أحلام العودة إلى استكمال متطلبات الدراسة تلاحقني كثيرا. حيث يكون عليَّ دخول امتحانات وشيكة، لكنني أكتشف أنني لم أدرس بعض المواد بشكل يؤهلني للنجاح ويظل الشعور بالإحراج من الفشل الماثل وما يترتب عليه من ازدرائي لنفسي، يملأ وجداني.
واضح أن أحلام استكمال متطلبات الدراسة ناشيء عن بتر سياق إكمالي دراستي بسبب اعتقالي قبل التخرج من الجامعة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة